العفو : الإمام السجاد (عليه السلام ) أنموذجاً

{ وحدة الدراسات والبحوث القرآنية / مركز القرآن الكريم }

﴿ العفو: الإمام السجاد أنموذجا ﴾

المتأمل في قراءة سِيَر الأئمة الهداة (عليهم السلام) يجد أن حياتهم كانت بمثابة دستور خَطّوه لتسير الأمة عليه خيفة أن تضيع في متاهة أودية الظلام والابتعاد عن نبل الأخلاق ومكارم الفضيلة وعن الحقيقة الصادقة .

فكانوا (عليهم السلام)  المصداق الأول لتبيان التعاليم السماوية التي أرادها الله جلت عظمته لهذه البشرية، ولم يتركْوا شيئاً إلا بيَّنوه لنا فلا حجة لأحد أن يحتج غداً في فِعْلِ أو ترْكِ شيء، فالجميع مسؤول ...

وهم  (عليهم السلام)  يُطَبِقون عملياً ما أشارَ إليه القرآن الكريم من فضائل الأخلاق ومنها العفو قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } [البقرة: 219].

ومن هذا المنطلق نلحظ إمامنا عليّ بن الحسين السجاد (عليهما السلام)  كيف كان يتعامل مع مَن أساء إليه وجوابه مع خصمه .

وإنها دروس ومواقف كانت غايته (عليه السلام) تعليمنا إياها ولمن أراد أن يتحمل أمانة الأمة وما هي إلا مشروع إصلاح خطّه للتابعين ليحذو حذوه .

ومن تلك المواقف موقفه تجاه رجل سبّه فتغافل (عليه السلام)  عنه فقال الرجل له: إيَّاك أعني ، فقال الامام : عنك أُعرض(1) إشارة إلى قوله تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [الأعراف: ١٩٩]، فكان (عليه السلام) أنموذجا في درء الغضب حتى عاد ذلك شعاراً له وسجيّة طُبع عليها بميسمها(2).

 

ومن أمثلة خلقه الرائع في العفو أيضا :

ما تناقله المؤلّفون من حديث هشام بن إسماعيل الذي كان أميراً على مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، للأمويين ، فعَزَلوه ، وقد كان منه أو بعض أهله شي يُكره ، تجاه الإمام زين العابدين (عليه السلام) ، أيام كان أميراً ، فلمّا عُزِل أُوقف للناس ، فكان لا يخاف إلاّ من الإمام أن يُؤاخذه على ما كان منه .

فمرّ به الإمام (عليه السلام) ، وأرسل إليه : (( استعن بنا على ما شئتَ ))  فقال هشام :  {    اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام : 124] (3).

وبهذا ، تمكَن الإمام من جذب قلوب الناس ، حتّى ألدّ الأعداء ، فكان سبباً لانفتاح الجميع على أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم ، بعد أنْ انغلقوا عنهم، واعتزلوهم بعد وقعة كربلاء ،ولقد ظهرت ثمرة تلك الأخلاق والجهود ، في يوم وفاة الإمام عليه السلام ، فقد خرج الناس كلّهم ، فلم يبق رجل ولا امرأة إلاّ خرج لجنازته بالبكاء والعويل ، وكان كيوم مات فيه رسول الله  ، وكان من أطيب ثمرات هذه الجهود أن مهّدت الأرضيّة للإمام محمد بن علي ، الباقر عليه السلام كي يتسنّم مقام الإمامة بعد أبيه زين العابدين ، ويقوم بتعليم الناس معالم دينهم ، وتتكوّن المدرسة الفقهيّة الشيعيّة على أوسع مدى وأكمل شكل وأتقنه .

ومن الشواهد أيضا على عفو الامام عن مثل هكذا خلق عظيم فقد انتهى ذات يوم إلى قوم يغتابونه ، فوقف عليهم ، وقال: (( إن كنتم صادقين فغفر الله لي ، وإن كنتم كاذبين فغفر الله لكم ))(4).

فنجد إن المتأمل في هذا التعامل من قبل الإمام المعصوم (عليه السلام) مع غيره يُدرك الغاية التربوية من هذا المسلك  (والملحظ العفوي في نكران الذات ، وضبط النفس ، وتحاشي الصِدام ، ذو هدف موضوعي أصيل تقتضيه المصلحة العليا للإسلام في إرساء قواعد الخلق الرفيع وتأسيس كيان التربية النافذة الصادرة عن نبع الوحي و تراث النبوة )(5) .

الخلاصة :

يتبين لنا مما قرأناه:

أولاً : أن العقل  يدعونا الى قراءة سير قادتنا الأوائل للعبرة والاعتبار من حياتهم التي هي منهاج قويم رسموه للأمة من بعدهم وليصلح القائد مع رعيته بمثل هذا الخلق الرفيع الذي تعامل به أئمتنا وقادتنا مع تلك الاقوام .

ثانيا : على الوالي أو من أراد إدارة شؤون الأمة أن يتحلى بنكران الذات فإنها مصدر القوة الروحية في نفوس الرعية ومنها انطلاق الوداد والألفة والمحبة بين الوالي ورعيته ثم العمل .

ثالثا : أن التعامل بلطف ورفق والتخلق بمبدأ العفو عن من أساء والإعراض بما يدعو إليه القرآن الكريم لهو صفة الصالحين سلفا .

رابعا : عرفنا مما قرأناه أن ليس كل مشكلة تقتضي التعامل معها بمشكلة أخرى فهذا ليس من فعل العاقل  بل ينبغي التجاهل مع بعض القضايا وما تقتضيه المصلحة العامة العليا فإن صفة التغافل عن بعض القضايا مسلك قد سار عليه اعاظم القادة لما تعلموه من منهج الانبياء والائمة الهداة من بعدهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. العاملي، أعيان الشيعة: 4 / 1.
  2. الصغير، د. محمد حسين، حياة الإمام زين العابدين: 30.
  3. أبن عساكر، تاريخ دمشق: 42/394.
  4. العاملي، أعيان الشيعة: 4 / 1.
  5. الصغير، د. محمد حسين، حياة الإمام زين العابدين: 30-31.